المهجّرون والنازحون السوريون الشيعة في لبنان… وصمة عار
بحق الفعاليات الدينية والاجتماعية والسياسية الشيعية اللبنانية، وبحق كل القوى التي استقوت بالسوريين الشيعة في سورية منذ عام 2013 ولغاية عام 2024
السوريون الشيعة في لبنان
إن ما يتعرض له المهجّرون والنازحون السوريون الشيعة في لبنان من معاناة إنسانية ومعيشية وقانونية، وما تواجهه عائلاتهم من ظروف قاسية تمسّ كرامتهم الإنسانية وحقهم في الحياة الآمنة، لم يعد مجرد أزمة نزوح أو فقر أو نقص في المساعدات، بل أصبح قضية أخلاقية وإنسانية وسياسية تستوجب مساءلة كل الجهات التي تملك القدرة والمسؤولية عن المساعدة والرعاية.
وإن استمرار هذه المعاناة، في ظل غياب المبادرات الجدية والمتابعة الفاعلة، يشكل وصمة عار بحق الفعاليات الدينية والاجتماعية والسياسية الشيعية اللبنانية، وبحق كل القوى العربية والإسلامية والإقليمية التي استقوت بالسوريين الشيعة في سورية، واعتمدت عليهم، واستفادت من حضورهم ومواقفهم وتضحياتهم خلال الفترة الممتدة من عام 2013 ولغاية عام 2024.
فليس من المقبول أخلاقياً ولا إنسانياً أن تكون هناك قوى قد اعتمدت على مجتمع بأكمله خلال سنوات الحرب، واستفادت من مواقفه وإمكاناته وتضحيات أبنائه، ثم تترك المهجّرين والنازحين من ذلك المجتمع لمواجهة الفقر والتشرد والحرمان، وكأن العلاقة السابقة لم تكن، وكأن المسؤوليات الإنسانية والأخلاقية تنتهي بانتهاء الحاجة السياسية أو العسكرية.
أولاً:
من المسؤول عن هؤلاء الناس؟
إن المسؤولية الأولى التي نريد توجيهها بوضوح هي مسؤولية الفعاليات الدينية والاجتماعية والسياسية الشيعية اللبنانية.
فلبنان ليس مجرد بلد استقبل عائلات سورية نازحة، بل إن هناك روابط اجتماعية وإنسانية وتاريخية وجغرافية بين مجتمعات سورية ولبنانية، وهناك فعاليات ومؤسسات وشخصيات تمتلك إمكانات وعلاقات وقدرات على التحرك والمساعدة والتواصل مع المؤسسات الرسمية والإنسانية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه:
أين الفعاليات الدينية والاجتماعية والسياسية الشيعية اللبنانية من أوضاع السوريين الشيعة الذين يعيشون اليوم ظروفاً إنسانية ومعيشية صعبة في لبنان؟
أين المبادرات الجدية؟ وأين لجان المتابعة والرعاية؟ وأين المؤسسات التي تستطيع التواصل مع الجهات الرسمية والدولية، ومع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومع الجمعيات والمؤسسات الإنسانية؟
وأين المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه العائلات التي لا تستطيع دفع إيجارات مساكنها، وتجاه الأطفال والنساء والمسنين والجرحى وذوي الإعاقة والأرامل؟
إننا لا نتحدث عن واجب توزيع المساعدات المالية فقط، بل عن واجب أوسع يتضمن الحماية والرعاية الصحية والاجتماعية والقانونية، ومتابعة الملفات الإنسانية، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
ولا يجوز أن تبقى هذه المسؤولية معلقة بين المؤسسات والفعاليات، بينما يدفع المحتاجون وحدهم ثمن الإهمال وغياب المتابعة.
ثانياً: مسؤولية القوى التي استقوت بالسوريين الشيعة بين عامي 2013 و2024
إن المسؤولية لا تتوقف عند حدود الفعاليات اللبنانية.
فهناك مسؤولية مباشرة وأخلاقية تجاه القوى العربية والإسلامية والإقليمية التي أقامت علاقات واعتمدت على السوريين الشيعة في سورية خلال سنوات الحرب، واستفادت من مواقفهم وحضورهم ومشاركتهم وتضحياتهم.
إننا لا نطالب هذه القوى بمكافآت سياسية، ولا بمواقع أو امتيازات، ولا بفرض تمثيل أو زعامة على أبناء الطائفة الشيعية السورية.
لكننا نطالبها بألا تتخلى عن مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية تجاه هؤلاء الناس.
فمن غير المقبول أن يكون السوري الشيعي مطلوباً عندما تكون هناك حاجة إلى موقفه أو حضوره أو مشاركته، ثم يصبح مهملاً عندما يحتاج إلى الرعاية والحماية والمساعدة.
ومن غير المقبول أن تتحول العلاقة التي قامت خلال سنوات الحرب إلى علاقة انتقائية، تُستحضر فيها التضحيات عند الحاجة، ويُتجاهل أصحابها عندما يواجهون نتائج الحرب والنزوح والتشرد.
إن المسؤولية الأخلاقية لا تسقط بتغير الظروف السياسية، ولا يجوز أن تكون رعاية الإنسان مرتبطة بمدى فائدته السياسية أو العسكرية لأي جهة.
ثالثاً: معاناة العائلات والجرحى وذوي الإعاقة
إن أكثر ما يثير الألم هو وجود عائلات تعيش أوضاعاً معيشية شديدة الصعوبة، بينها أطفال ذوو إعاقات جسدية وحالات صحية تحتاج إلى رعاية دائمة، وجرحى يعانون من إعاقات وإصابات مستديمة، وأرامل وأسر فقدت معيلها.
وهناك عائلات تواجه خطر فقدان مساكنها بسبب العجز عن دفع الإيجارات، وأخرى تعيش في ظروف سكنية غير ملائمة، ولا سيما في بعض المناطق البقاعية، حيث تتفاقم المعاناة مع البرد والأمطار وارتفاع تكاليف الحياة.
إن هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقارير أو ملفات لدى الجمعيات، بل بشر لهم أسماء وبيوت وأطفال وحقوق وكرامة.
ومن العار أن يجد طفل مصاب أو شخص من ذوي الإعاقة نفسه دون علاج أو تأهيل، وأن تضطر أرملة إلى البحث عن مأوى لأطفالها، وأن تعيش عائلة كاملة تحت تهديد الإخلاء أو العجز عن تأمين الغذاء والدواء.
إن هذه الحالات تحتاج إلى تدخل إنساني عاجل ومنظم، بعيداً عن الاستعراض الإعلامي والمساعدات الموسمية.
رابعاً: أين دور المؤسسات الدينية والاجتماعية؟
إن المؤسسات والفعاليات الدينية والاجتماعية مطالبة بأن تتعامل مع هذه القضية باعتبارها واجباً إنسانياً، لا مناسبة لتسجيل المواقف أو تعزيز النفوذ أو احتكار التمثيل.
فالمطلوب ليس إنشاء زعامات جديدة، ولا فرض وصاية على السوريين الشيعة، ولا تحويل احتياجاتهم إلى وسيلة لاستقطابهم أو إخضاعهم.
المطلوب هو أن تفتح المؤسسات أبوابها أمام المحتاجين، وأن تتعاون مع المبادرات الأهلية المستقلة، وأن تضع إمكاناتها وعلاقاتها في خدمة الناس.
كما أن الفعاليات السياسية اللبنانية مطالبة باستخدام علاقاتها ومواقعها للتواصل مع الجهات الرسمية والإنسانية، والعمل على إزالة العقبات القانونية والإدارية التي تواجه العائلات، ضمن القوانين والأنظمة المرعية.
ولا يجوز أن تكون هناك انتقائية في التعامل مع الضحايا والمحتاجين على أساس الانتماء السياسي أو الجغرافي أو المذهبي.
خامساً: ملفات المفوضية والحماية القانونية
من القضايا التي تستوجب متابعة عاجلة أوضاع السوريين الذين يحتاجون إلى حماية قانونية وإنسانية في لبنان، ولا سيما الذين وصلوا خلال السنوات الأخيرة، والذين لم يتمكنوا من تسجيل أوضاعهم أو متابعة ملفاتهم بالشكل المناسب.
إن تسجيل اللاجئين السوريين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان متوقف منذ عام 2015، الأمر الذي يجعل متابعة الحالات الجديدة أكثر تعقيداً، ويستوجب العمل مع الجهات المختصة لإيجاد المسارات القانونية والإنسانية المتاحة لكل حالة.
إن المطلوب هو تحرك منظم للتواصل مع المفوضية والجهات اللبنانية والدولية، ومتابعة حالات الحماية والإقامة والاحتياجات الطبية والاجتماعية، وعدم ترك العائلات في حالة من الضياع القانوني والإنساني.
كما ينبغي أن تكون هناك متابعة خاصة للأطفال وذوي الإعاقة والجرحى والنساء المعيلات للأسر.
سادساً: لا للوصاية ولا لاحتكار التمثيل
إن السوريين الشيعة في لبنان ليسوا ملكاً لأي جهة، ولا يحق لأي حزب أو مؤسسة أو شخصية أن تحتكر الحديث باسمهم أو أن تصادر إرادتهم أو أن تجعل المساعدة الإنسانية مشروطة بالولاء والتبعية.
إن من حقهم أن يؤسسوا مبادرات أهلية مستقلة لمتابعة شؤونهم وقضاياهم وحقوقهم الإنسانية، وأن يختاروا من يمثل مصالحهم ويتابع ملفاتهم، وفق أسس واضحة وشفافة ومسؤولة.
ونؤكد أن استقلالية العمل الإنساني لا تعني مواجهة أحد أو معاداة أي جهة، بل تعني حماية المبادرة من التوظيف السياسي، وضمان وصول الرعاية إلى مستحقيها دون تمييز أو شروط.
كما أن التعاون مع المؤسسات والفعاليات اللبنانية والعربية والدولية أمر مطلوب، لكن التعاون شيء، والوصاية ومصادرة الإرادة شيء آخر تماماً.
سابعاً: العودة الطوعية الكريمة إلى سورية
إننا لا نريد أن يتحول النزوح إلى واقع دائم، ولا أن تبقى العائلات السورية معلقة بين بلد لا تستطيع الاستقرار فيه وبلد لم تستعد فيه بعد مقومات العودة الآمنة والكريمة.
إن حق العودة إلى سورية حق إنساني ووطني، لكنه يجب أن يكون طوعياً، وأن تتوافر له ضمانات الحماية والأمان، والقدرة على تأمين السكن والعمل والعلاج والتعليم، ومعالجة الملفات المدنية والقانونية.
ومن واجب الجهات المعنية مساعدة الراغبين في العودة على معرفة أوضاع مناطقهم، ومتابعة ملفاتهم، وتأمين الظروف التي تسمح لهم بالعودة دون إكراه أو تهديد أو ضغط.
فالعودة الكريمة ليست مجرد عبور للحدود، بل استعادة للبيت والاستقرار والكرامة والقدرة على مواصلة الحياة.
كلمة أخيرة: التضحيات لا يجوز أن تتحول إلى ذاكرة منسية
إننا نوجه هذه الرسالة بوضوح إلى الفعاليات الدينية والاجتماعية والسياسية الشيعية اللبنانية، وإلى كل القوى العربية والإسلامية والإقليمية التي استقوت بالسوريين الشيعة في سورية بين عامي 2013 و2024:
إن المسؤولية تجاه الإنسان لا تنتهي بانتهاء الحرب، ولا بانتهاء الحاجة إلى مواقفه وتضحياته.
ومن حق السوريين الشيعة الذين يواجهون اليوم ظروفاً إنسانية قاسية في لبنان أن يسألوا: أين الذين كانوا يتحدثون باسمهم؟ وأين الذين اعتمدوا عليهم؟ وأين المؤسسات والفعاليات التي يفترض أن تكون إلى جانبهم في محنتهم؟
إننا لا نطالب بأكثر من حقوقنا الإنسانية، ولا نبحث عن امتيازات طائفية، ولا نريد أن نكون وقوداً لأي مشروع سياسي أو عسكري، ولا أن يخضع مستقبل عائلاتنا لوصاية أي جهة.
نريد حماية أطفالنا، ورعاية جرحانا ومرضانا، وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأسرنا، ومتابعة ملفاتنا القانونية والإنسانية، وفتح الطريق أمام عودة طوعية آمنة وكريمة إلى وطننا سورية.
إن تجاهل هذه القضية، وترك العائلات لمواجهة مصيرها، وصمة عار لا يمكن تبريرها بالشعارات أو المواقف أو الحسابات السياسية.
فمن استقوى بالناس في أيام الشدة، لا يجوز له أن يتخلى عنهم عندما يصبحون هم بحاجة إلى من يقف إلى جانبهم.
والوفاء الحقيقي لا يُقاس بما قيل في الماضي، بل بما يُفعل اليوم من أجل الإنسان الذي يحتاج إلى الحماية والرعاية والكرامة.
السوريون الشيعة في لبنان











Discussion about this post