عقد العلامة السيد علي فضل الله لقاءً حواريًّا في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك، تحت عنوان «موقف الإسلام من التسويف»، أجاب خلاله عن عدد من الأسئلة والاستفسارات المتصلة بآخر المستجدات في لبنان والمنطقة.
استهلّ سماحته اللقاء بالقول إنّ من أخطر الأمراض التي تواجه الإنسان في عمله وحياته التسويف، فهو، بكلّ بساطة، المماطلة وتأجيل الأعمال والواجبات وأداء الحقوق. وهو أسلوب يتصل بالعمل والحركة والإنتاج والسعي، ويُعدّ سلوكًا مذمومًا، فيما يتمثّل نقيضه في المبادرة والمسارعة إلى إتمام المهمّات وإنجازها.
وأشار إلى أنّ أخطر ساحات التسويف وأعظمها كلفةً هي علاقة الإنسان بربّه وخالقه، عندما يؤجّل أداء الحقوق التي ارتضاها والتزم بها وبدأ بتنفيذها. كما يظهر التسويف في تعامل الإنسان مع نفسه وعائلته وأقاربه والناس الذين لهم حقوق عليه، عندما يتأخّر في تلبية حاجاته المادية والروحية والمعنوية، أو في القيام بمسؤولياته تجاه أسرته والآخرين الذين تقع على عاتقه مسؤولية رعايتهم.
وأضاف أنّ للتسويف تداعيات على حياة الإنسان وعلى الآخرين، لكنّ الأخطر هو أن يؤجّل الإنسان القيام بالأعمال التي فرضها الله عليه والمسؤوليات التي حمّله إيّاها، فيغادر الحياة من دون أن يُعِدّ نفسه للموقف الذي سيقف فيه بين يدي الله.
وتناول سماحته الأسباب التي تدفع الإنسان إلى التسويف، وفي مقدّمها طول الأمل، إذ يشعر الإنسان بأنّ الحياة طويلة أمامه، وأنّ نهايته لن تأتي قريبًا، فيؤجّل أعماله وواجباته.
وخلص إلى الدعوة للتخلّص من ثقافة التأجيل، قائلًا إنّ علينا أن نتجاوز عبارات من قبيل: «سوف أعمل، سوف أقوم، سوف أتصدّق، سوف أغيّر سلوكي، سوف أعطي، سأعيد إلى الناس حقوقهم، سأجاهد، سآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، سأقف مع المظلومين ضدّ الظالمين»، وأن نبادر إلى العمل بدلًا من الاكتفاء بالوعود المؤجّلة.
وحول قراءته لما يجري في المنطقة من تهديدات، أكّد سماحته أنّ المرحلة ليست سهلة، وأنّ هناك تهديدات وضغوطًا، لكنّ التجارب أظهرت أنّ أبواب الحلول قد تُفتح قبل الوصول إلى الانفجار، منعًا لانزلاق المنطقة نحو المجهول.
وأشار إلى أنّ الضغوط تهدف إلى انتزاع التنازلات في المفاوضات التي تجري هنا أو هناك، داعيًا إلى البقاء في حالة من الحذر والاستعداد لأيّ تطوّر محتمل، ولا سيّما في لبنان، والتعامل مع القضايا المطروحة بحكمة ورويّة ودراسة.
وشدّد على أنّه لا خيار للبنانيين سوى الوحدة، محذّرًا من وجود من يسعى باستمرار إلى إثارة الفتنة وخلق أجواء الصدام. ودعا جميع المسؤولين إلى إطلاق الكلمة الطيّبة التي تهدّئ النفوس ولا تستفزّها، كما دعا الجميع إلى عدم الانجرار وراء ردود الفعل، والنظر إلى القضايا بعقلانية ومسؤولية، بما يسهم في وأد الفتنة ومنع تداعياتها الخطيرة على الجميع.
ونوّه سماحته بالحكمة التي يعتمدها الجيش اللبناني في تعاطيه مع القضايا الخلافية في الوطن، داعيًا إلى حمايته من أيّ صراع داخلي، لأنّ إضعافه لا يخدم مصلحة أيّ طرف، ولأنّه يشكّل ركيزة أساسية في حماية السلم الأهلي وصون الوحدة الداخلية.
وحول موقفه من إلغاء الطائفية، جدّد سماحته الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية، والعمل على تحويل الانتماء الطائفي إلى عنصر خدمة للوطن بجميع أبنائه، بما يتيح وصول أصحاب الكفاءة والقدرة إلى المواقع والمسؤوليات.
وأكّد ضرورة العمل من أجل بناء دولة الإنسان والمواطنة والعدالة والقانون، حيث تكون الكفاءة أساس تولّي المسؤوليات، وتُصان حقوق المواطنين من دون تمييز.
وتوجّه سماحته إلى وسائل الإعلام، داعيًا إيّاها إلى الحرص على مصلحة الوطن، وألّا تتحوّل إلى منصّات لتوسيع الشرخ وتعميق الانقسام من خلال الخطاب المستفزّ الذي نشهده ونسمعه.
كما دعا وزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع في لبنان إلى الاضطلاع بدورهما في ضبط إيقاع العمل الإعلامي، بما يعزّز المسؤولية الوطنية ويسهم في تهدئة الأجواء وحماية الاستقرار الداخلي.
وحول موقفه من إطلاق النار على كنيسة في الأردن، أكّد سماحته أنّ هذا العمل مدان ومستنكر، محذّرًا من وجود أيادٍ تسعى إلى إثارة الفتن الطائفية والمذهبية في منطقة يُراد لها أن تبقى متوترة.
وأعرب عن أسفه لأنّ من يرتكب مثل هذه الأعمال ينسب نفسه إلى الإسلام، في حين أنّ هذه الممارسات تسيء إلى صورته المشرقة والمنفتحة، وتساهم في تشويه رسالته القائمة على قيم الرحمة والتسامح والتعايش، فضلًا عن خلق أجواء من التوتر والانقسام بين أبناء المجتمع الواحد.











Discussion about this post