بقلم/ الكاتب والباحث السياسي
الشيخ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
تتجلى الحقيقة الكبرى في أصل الخلقة الإنسانية حين استوى البشر في أصل التكوين والنوعية والعقل، لتغدو الحرية أصل الفطرة والوجود، لا مكرمة تُستجدى من سلطة ولا منحة يُجود بها متسلط، وكما يضع الشاعر عبد الرسول محي الدين بصوت الشيخ ياسين الرميثي الميزان التأسيسي: “بِتكويـنه البشـر يـا حسيـن متسـاوي النوعيّـه.. جسـمه ومحتـواه واضـح ومعـروف بتساويّه.. الشّي البي خفي أومجهول نزعاته النفسيـه”. وعلى هذا الميزان الأخلاقي الأبدي، لم تكن ثورة الإمام الحسين عليه السلام حدثاً تاريخياً معزولاً أو طقساً عاطفياً يُختزل في استدرار الدموع، بل قامت بوصفها ثورة إنسانية ومطلبية كبرى وميزاناً مطلقاً لرفض الاستبداد. تتجسد هذه الحقيقة في إجابة الحسين الصريحة والواضحة حين سُئل عن مسيره إلى العراق والاحتمال الأكيد لقتله، فقال بوعي اليقين المطلق: “شاء الله أن يراني قتيلاً، وشاء أن يراهنّ سبايا”، وهي إشارة صريحة إلى أنه ذاهب إلى الموت باختياره الواعي في سبيل الحرية وإيقاظ الضمائر. وفي هذا الفضاء الوجداني الخالد، تتقاطع ملحمة كربلاء مع نداء تشرين العظيم؛ إذ خرج شباب العراق بصدورهم العارية وهم يَرون بأم أعينهم القتلة والمستأجرين يتربعون على أسطح المباني ويحصدون أرواح إخوانهم بالرصاص الحي، ورغم هول القتل لم يتراجعوا بل واصلوا الخروج على أثر من سقطوا من إخوتهم ليُقتلوا معهم في ذات الدرب. هذا الارتباط الفطري بالحرية يفسره ببراعة ذلك البُعد الاستشراقي والفرضيات الواسعة التي وضعتها القصيدة؛ فهي تدرك تماماً أن الإنسان قد يمر بظروف قاسية تؤدي به إلى التخدير أو المهادنة أو النسيان المؤقت، وهو تماماً ما تعمدت السلطة في العراق افتعاله بعد عام 2003 عبر سياسات التجهيل الممنهج والتنويم المغناطيسي المجتمعي وزعزعة الوعي بزرع أعراف وقوالب طائفية وإثنية ومكوناتية متناحرة لتسكين الشعب وإبعاده عن مطالبته بحقوقه المشروعة. غير أن حتمية التاريخ ووعي الفطرة لا بد أن يستيقظا يوماً، وهو ما تجسد حين انتبه الشعب لنفسه ورفض ذلك الخدر المزمن ليثور بوجه الظلم والطغيان، تماماً كما رسمت فرضيّات النص الشعري الخالد: “أفرض ننفتن بأفكار ونتسمّم وفترة نحيد.. لابد ما تجي الساعة البيهل ننتبه ونعيد.. لابد ما هوى الرحمة يدركنا ونرد جديد.. حته إنا ننهرم ويضعف حيلنا ونبيد.. بآخر نفس احسبنه صحنه بيك آمنّه”. لم تكن تشرين خروجاً ضد الدين أو المذهب أو القيم المجتمعية، بل كانت صرخة بوجه تجار الدين وسرّاق الأوطان الذين ارتدوا عباءة المقدسات ليشرعنوا الفساد ويسرقوا مقدرات الشعب ويسلبوه كرامته وسيادته. ولأن الطبقة السياسية المتنَفّذة أدركت خطورة هذا الوعي الوطني الخالص، لجأت إلى أخبث أساليب الحرب النفسية بشيطنة الثورة وزرع المندسين لتشوه نبل غاياتها وتبرر قمعها. وهنا يرتسم الفرز الأخلاقي الحاسم بين الثائر الحق الذي يسترخص دمه وفكره فداءً لحرية أبناء جلده بلا ثمن، وبين المتاجر المزيف الذي يتسلق على جراح الشهداء ليلهث خلف كراسي السلطة والمحاصصة والتبعية. إن هذا النص ليس نشيداً رسمياً لسلطة أو حاكم ولا لسياسيين وسُّراق، بل هو “نشيد الأحرار” الأبدي والدستور الروحي والفكري لكل من يرفض الذل؛ تذكيراً بأن دماء الأحرار التي تُطمر في التراب لا تموت، بل تزهر حتماً وطناً سيداً حراً يأبى الانحناء.
22 تشرين الاول 2026












Discussion about this post