مفارقة تختصر كل أنحطاط هذا الزمن العربي.
في البرازيل، على بعد 11 ألف كيلومتر من فلسطين، لا يربطهم بها دين ولا لغة ولا حدود ولا نفط، يفوز رجل أسمه لولا دا سيلفا. رجل خرج من بطن الفقر، من مصنع للحديد، لا من قصور النفط. أول ما فعله عندما عاد للسلطة، وقف في الأمم المتحدة وقال، (ما يجري في غزة إبادة وليست حرباً) . واتهم إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وسحب سفيره، وقطع العلاقات، ورفض أن يكون شريكاً في المذبحة.
في المقابل، كان منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، يحمل برنامجه الأنتخابي صورة واحدة العلم الإسرائيلي. وعد بنقل السفارة إلى القدس، ووصف المقاومة بالإرهاب، واعتبر نتنياهو (أخاً) . هذا هو بولسونارو، الأبن والأب، مشروع ترامب في أمريكا اللاتينية، صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم.
فاختار الشعب البرازيلي لولا. اختار فلسطين.
تخيل. شعب كاثوليكي في أمريكا الجنوبية، يختار رئيساً لأنه يقف مع غزة. بينما شعوب مسلمة، عربية، لسانها عربي ودينها الإسلام وقبلتها الأولى هي القدس، محكومة بأنظمة تختار بولسونارو العرب.
هنا يصبح السؤال موجعاً. أين ذهبت مقولة (العرب أصل الشهامة) ؟
لقد كنا نرددها ونحن صغار. العربي لا يترك جاره، لا يخذل أخاه، لا يطعن في الظهر. فجاء حكام هذا الزمان وكذّبوا كل كتب التاريخ.
ماذا فعلوا؟
تحالفوا، ليس لتحرير فلسطين، بل لحصار من يدافع عنها.
تحالفوا لقصف اليمن. اليمن الذي قال (لن نترك غزة وحدها) فأغلق البحر الأحمر. فاجتمعت السعودية والإمارات ومصر والأردن مع أمريكا وبريطانيا وإسرائيل لضربه. بلد عربي مسلم يُقصف بأموال عربية وبطائرات تحلق بأجواء عربية لأنه قال لا لإسرائيل.
وتحالفوا لحصار إيران. لأنها الدولة الوحيدة التي تقول علناً (إسرائيل غدة سرطانية يجب أن تزول) . فصارت إيران العدو، وصارت إسرائيل الحليف في غرف الأستخبارات الخليجية.
وتحالفوا لخنق المقاومة في لبنان. نفس المقاومة التي أذلت الجيش الإسرائيلي في 2000 و 2006 وأثبتت أن العربي قادر أن ينتصر. لأنها تحمل عقيدة راسخة، لا اعتراف ولا صلح ولا تطبيع مع كيان غاصب. هذه العقيدة وحدها كافية لتجعلها عدواً في عيون أنظمة بنت شرعيتها على الأعتراف به.
هذه هي الندالة بكل معنى الكلمة.
لولا دا سيلفا لا يقرأ القرآن، ولا يحفظ حديث (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) ، ولا يعرف معنى (خيبر خيبر يا يهود) . لكنه عرف معنى الإنسانية.
أما حكام من السعودية إلى الإمارات وصولاً إلى مصر، فيقرأون القرآن كل يوم في الإعلام، ويستضيفون مشايخ القصور، ويحدثونك عن الأعتدال والسلام، ثم يرسلون شاحنات الغذاء والوقود لتل أبيب لكسر حصار اليمن، ويفتحون الأجواء لطائراتها، ويستقبلون رئيسها بالسجاد الأحمر بينما أطفال غزة تحت الركام.
وشعب اليمن تحت الحصار لتجويعه.
لهذا نقولها بمرارة، لقد أثبتت بعض الدول الأجنبية التي لا تربطها بفلسطين لا دين ولا قومية، أنها أشرف وأكثر كرامة ووطنية من أنظمة تدّعي العروبة والإسلام.
البرازيل أثبتت أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية عرب ومسلمين فقط، بل قضية أحرار العالم. وأثبت حكام التطبيع أنهم ليسوا عرباً في الموقف، ولا مسلمين في النصرة، بل مجرد وكلاء وظيفتهم حراسة الكيان الغاصب من غضب شعوبهم.
الشرف اليوم يُستورد من البرازيل، والخذلان يُصنع في عواصم العرب وندالة السلطة في لبنان.
نضال عيسى













Discussion about this post