أشرف التهامي.
لم يعد الخطر الذي يواجه الكيان الإسرائيلي محصوراً في الجبهات المشتعلة أو الصواريخ عابرة الحدود، بل بات ينبثق من قلب المؤسسة الحاكمة ذاتها. فمن خلف سور الخطابات الشعبوية والوعود بالنصر المطلق، تتكشف يومًا بعد يوم بنية هشة تعاني من تآكل داخلي عميق، وصراعات وجودية لا علاقة لها بالخارج، بل بصراع الكراسي والأيديولوجيات المتطرفة.
خلف هذه الواجهة، يقف رجل واحد تحول إلى مركز ثقل الأزمة وصانعها الأبرز: بنيامين نتنياهو؛ الرجل الذي هبط على عرش السياسة الإسرائيلية كمنقذ، ويكاد اليوم يُغرق سفينتها ليبقى واقفاً على حطامها.
في الكيان الإسرائيلي سيبدأ رئيسه إسحاق هرتسوغ مشاورات مع الأحزاب الإسرائيلية المنتخبة حديثاً يوم الأربعاء، حيث من المتوقع أن يحصل حزب غادي آيزنكوت على تأييد أكبر من حزب بنيامين نتنياهو؛ بينما لا يزال أفيغدور ليبرمان وحزب اليهودية التوراتية المتحدة مترددين، في حين قد تلعب الأحزاب العربية دوراً محورياً في تحديد الحكومة المقبلة.
يعتزم الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ دعوة ممثلي الأحزاب التي فازت بمقاعد في الكنيست الإسرائيلي السادس والعشرين إلى مقر إقامته الرسمي، وذلك في موعد قد يبدأ من يوم الأربعاء الموافق الرابع من نوفمبر – أي قبل أداء أعضاء البرلمان الجديد اليمين الدستورية – وذلك بهدف بدء عملية تشكيل الحكومة القادمة في البلاد.
وسيستمع هرتسوغ إلى المرشح الذي يوصي به كل حزب لقيادة جهود تشكيل الائتلاف الحكومي ،ومع ذلك، وعلى عكس الانتخابات السابقة، لا تلوح في الأفق ملامح واضحة للحكومة المقبلة.
دعا هرتسوغ ممثلي الأحزاب إلى خوض المشاورات بعقل يراه المراقبون في الكيان منفتح، لا سيما وأن أياً من الكتلتين السياسيتين الرئيسيتين لا تمتلك المقاعد الـ 61 اللازمة لتحقيق الأغلبية في الكنيست المكون من 120 عضواً.
وقد تسفر المشاورات الرئاسية عن بعض المفاجآت، بما في ذلك احتمال أن توصي الأحزاب العربية بتكليف غادي آيزنكوت، في مسعى للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو؛ علماً بأن معارضة هذه الحكومة كانت من العوامل التي دفعت نحو زيادة نسبة إقبال الناخبين العرب على التصويت.
تُظهر نتائج الانتخابات حصول تكتل نتنياهو على 53 مقعداً، وتكتل آيزنكوت على 48 مقعداً، بينما نال الحزبان العربيان 19 مقعداً مجتمعين. ف
من هو المرشح الذي يُتوقع أن يدعمه كل حزب، وما هي الأحزاب التي لم تحسم موقفها بعد؟
حزب الليكود: 27 مقعداً.
سيكون حزب الليكود، بقيادة نتنياهو، أكبر حزب في الكنيست القادم بحصوله على 27 مقعداً ، ومن المتوقع -كما كان متوقعاً- أن يوصي الحزب بتكليف رئيسه، الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها، بتشكيل حكومة جديدة.
المرشح المتوقع دعمه: نتنياهو.
حزب “ياشار!” (إلى الأمام!): 21 مقعداً.
لا يوجد الكثير من الغموض هنا أيضاً؛ فقد أعلن غادي آيزنكوت، رئيس الحزب الأكبر ضمن الكتلة المناهضة لنتنياهو، عن نيته تشكيل حكومة بديلة لحكومة نتنياهو.
وفي الأيام الأخيرة، التقى آيزنكوت بقادة الأحزاب الأخرى في كتلته -باستثناء أفيغدور ليبرمان- بهدف تعزيز دعمهم لترشيحه على الأرجح.
المرشح المتوقع دعمه: آيزنكوت.
حزب “بيحاد” (معاً): 12 مقعداً.
التقى رئيس الحزب ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، إلى جانب الرجل الثاني في الحزب يائير لابيد، بغادي آيزنكوت في الأيام التي تلت الانتخابات. ومن المتوقع أن يظل الحزب -وهو ثالث أكبر حزب في الكنيست بـ 12 مقعداً- ضمن الكتلة التي تسعى لتغيير الحكومة.
المرشح المتوقع دعمه: آيزنكوت.
القائمة المشتركة: 11 مقعداً.
أصدرت “القائمة المشتركة”، التي فازت بـ 11 مقعداً، بياناً رسمياً أعربت فيه عن استعدادها للتعاون سياسياً من أجل تشكيل حكومة بديلة، مؤكدةً عزمها العمل على إنهاء حكم نتنياهو.
وكرر أحمد الطيبي، مساء السبت، التأكيد على استعداد القائمة للتوصية بتكليف آيزنكوت، ودعم خطوة لاستبدال رئيس الكنيست ،ورغم أن القائمة لم تعلن قرارها رسمياً بعد، فمن المرجح أن تعلن دعمها لآيزنكوت خلال المشاورات الرئاسية.
الترجيح: آيزنكوت.
القائمة العربية الموحدة (رعَم): 8 مقاعد.
من المتوقع أيضاً أن يوصي منصور عباس، الذي فاز حزبه العربي الإسلامي بثمانية مقاعد، بتكليف آيزنكوت. ولم يستبعد عباس إمكانية الانضمام إلى حكومة جديدة أو دعمها من خارج الائتلاف.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان أعضاء آخرون في كتلة آيزنكوت سيوافقون على ترتيب كهذا، ولا سيما أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”.
الترجيح: آيزنكوت.
حزب “الديمقراطيون”: 8 مقاعد.
يُعد يائير غولان، رئيس الحزب، الشخصية الأكثر صراحةً داخل تكتل آيزنكوت في تأييد تشكيل حكومة تضم الأحزاب العربية ، وقد جادل غولان -الذي فاز حزبه بثمانية مقاعد- في الأيام الأخيرة بأن تحالفاً أوسع يهدف إلى استبدال نتنياهو يمكن أن يحظى بدعم 67 مقعداً، معتبراً أن النتائج تتيح فرصة لتشكيل حكومة جديدة بالشراكة مع المواطنين العرب في إسرائيل ، وقد التقى غولان مؤخراً بكل من آيزنكوت ولابيد وعباس.
التوصية المتوقعة: آيزنكوت.
حزب “إسرائيل بيتنا”: 7 مقاعد.
تتمحور إحدى أكبر المسائل العالقة حول أفيغدور ليبرمان، الذي حصل حزبه على سبعة مقاعد ، لم يعلن ليبرمان بعد بشكل علني ما إذا كان يعتزم التوصية بتكليف آيزنكوت برئاسة الوزراء.
ورغم استبعاده المتكرر للانضمام إلى حكومة بقيادة نتنياهو، فقد صرح أيضاً بأنه لن يشارك في حكومة تضم أحزاباً عربية أو تعتمد على دعمها.
وقبل الانتخابات، طرحت شخصيات داخل حزبه احتمال أن يوصي حزب “إسرائيل بيتنا” بليبرمان نفسه.
التوصية المتوقعة: لم يُحسم القرار بعد، رغم أن دعم آيزنكوت يظل احتمالاً وارداً.
حزب “عوتسما يهوديت”: 7 مقاعد.
خلال الحملة الانتخابية، هاجم إيتمار بن غفير، رئيس حزب “عوتسما يهوديت” اليميني المتطرف، نتنياهو مراراً، زاعماً أن نتنياهو يخطط لتشكيل حكومة وحدة مع آيزنكوت تستبعده هو شخصياً.
ورغم استمرار تداول هذا الاحتمال، إلا أن بن غفير -الذي تحدث مع نتنياهو بعد ظهور النتائج- أصبح في السنوات الأخيرة حليفاً سياسياً دائماً لزعيم حزب “الليكود” ، لذا، من المتوقع أن يدعم نواب الحزب السبعة نتنياهو خلال المشاورات السياسية.
التوصية المتوقعة: نتنياهو.
حزب “يهدوت هتوراة”: 7 مقاعد.
ثمة تساؤل كبير آخر يحيط بحزب “يهدوت هتوراة” (يهودية التوراة الموحدة) الأرثوذكسي المتشدد ، فقد زار رئيس الحزب، يعقوب آشر -الذي حل محل موشيه غافني- منازل كبار الحاخامات يوم السبت برفقة نواب آخرين من الحزب.
ورغم حصولهم على مباركة الحاخامات، إلا أنهم تجنبوا التطرق إلى المسألة السياسية الجوهرية:
ما إذا كان الحزب سينضم إلى أي حكومة مستقبلية، وتحت قيادة من ستكون.
يطالب حزب “يهدوت هتوراة” (يهودية التوراة الموحدة) بسن تشريع ينظم إعفاء طلاب المعاهد الدينية اليهودية المتشددة (“اليشيفوت”) من الخدمة العسكرية، وذلك قبل تقديم أي التزام من جانبه.
ولم يتعهد الحزب بدعم أي من المرشحين؛ لذا فإن موقفه غير واضح، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان سيقدم دعمه لأي طرف على الإطلاق.
حزب “شاس”: 6 مقاعد.
شهد حزب “شاس” -الذي يمثل اليهود المتشددين (الحريديم) بقيادة أرييه درعي- تراجعاً حاداً، إذ انخفض عدد مقاعده من 11 إلى 6 مقاع ، ورغم انسحاب الحزب من الحكومة والائتلاف قبل أشهر، إثر فشل تمرير تشريع يمنح إعفاءات من الخدمة العسكرية، إلا أنه لا يزال يدعم بنيامين نتنياهو ويعتبر نفسه جزءاً من معسكره السياسي.
الدعم المتوقع: نتنياهو.
حزب “الصهيونية الدينية”: 6 مقاعد.
يعتبر رئيس الحزب بتسلئيل سموتريتش، وزميله في المرتبة الثانية موشيه فيغلين (زعيم حزب “زيهوت” سابقاً)، نفسيهما جزءاً لا يتجزأ من معسكر نتنياهو.
وقد التقى سموتريتش بالفعل برئيس حزب “الليكود” لتنسيق الخطوات السياسية، ومن غير المرجح أن يغير نهجه المعتاد في دعم نتنياهو.
الدعم المتوقع: نتنياهو.
الأرقام: 60 صوتاً لصالح آيزنكوت، مقابل 46 لنتنياهو.
من المتوقع أن يبدأ الرئيس هرتسوغ مشاوراته مع ممثلي الأحزاب يوم الأربعاء، ومن المرجح أن تستمر هذه اللقاءات يوم الخميس، وربما تمتد إلى الجمعة.
وبموجب القانون الإسرائيلي، يتعين على الرئيس إتمام هذه العملية وتكليف شخص بتشكيل الحكومة في غضون سبعة أيام من الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات.
ونظراً لأن النتائج من المقرر أن تُعرض رسمياً في الرابع من نوفمبر، فإن الموعد النهائي هو الحادي عشر من نوفمبر، رغم أن هرتسوغ قد يتخذ قراره قبل ذلك.
يكلف الرئيس عادةً بهذه المهمة عضو الكنيست الذي يرى أنه يملك الفرصة الأفضل لتشكيل حكومة ، ومن الناحية العملية، غالباً ما يكون هذا الشخص هو المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من التوصيات من زملائه المشرعين، رغم أن عدد هذه التأييدات ليس الاعتبار الوحيد.
بناءً على التوقعات الحالية، سيكون هذا المرشح هو آيزنكوت ، وحتى لو قرر حزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة ليبرمان عدم التوصية به، فقد يحصل آيزنكوت على 60 توصية، بما في ذلك توصيات “القائمة المشتركة” و”القائمة العربية الموحدة” (رعَم) ، وإذا انضم ليبرمان أيضاً إلى داعميه، فسيصل الإجمالي إلى 67.
في المقابل، من المتوقع أن يحصل نتنياهو على 46 توصية من أحزاب “الليكود”، و”عوتسما يهوديت”، و”شاس”، و”الصهيونية الدينية” ، أما المقاعد السبعة لحزب “يهدوت هتوراة” (يهودية التوراة الموحدة) فلا تزال غير محسومة، مما قد يبقي الحزب خارج كلا المعسكرين خلال مرحلة المشاورات.
ومع ذلك، فإن الحصول على أكبر عدد من التوصيات لا يضمن تشكيل حكومة؛ إذ سيتمثل التحدي التالي لأي من المرشحين في تحويل هذه التأييدات السياسية إلى ائتلاف متماسك قادر على نيل ثقة الكنيست.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
يُمنح المرشح الذي يتلقى التكليف الأول من رئيس الدولة مهلة 28 يوماً لتشكيل حكومة ، ويمكن للرئيس هرتسوغ منح تمديد إضافي يصل إلى 14 يوماً، ليصبح المجموع الأقصى 42 يوماً أمام المرشح لتشكيل ائتلافه.
وفي حال فشل هذا المرشح، يمتلك الرئيس خيارين:
· إما تكليف عضو آخر في الكنيست -غالباً من المعسكر السياسي المنافس- والذي سيُمنح بدوره 28 يوماً لتشكيل الحكومة، دون إمكانية التمديد.
· أو يمكن للرئيس هرتسوغ إبلاغ رئيس الكنيست بأنه لا يرى أي فرصة لتشكيل حكومة ، وعندها تبدأ فترة أخيرة مدتها 21 يوماً، يمكن خلالها لـ 61 نائباً على الأقل تقديم طلب خطي للرئيس يطالبونه فيه بتكليف عضو معين من الكنيست بتشكيل الحكومة.
ويُمنح المرشح الذي يتم ترشيحه عبر هذه الآلية مهلة 14 يوماً لتشكيل الحكومة ، كما يمكن اللجوء إلى هذه الآلية (التي تستغرق 21 يوماً) في حال باءت محاولة ثانية لتشكيل ائتلاف حكومي بالفشل أيضاً.
وإذا لم تسفر أي من هذه المحاولات عن تشكيل حكومة تنال ثقة الكنيست، يُحل البرلمان تلقائياً وتتجه إسرائيل نحو انتخابات جديدة.
الخاتمة.
تعيش المنظومة السياسية في الكيان اليوم حالة غير مسبوقة من التخبط والتصدع البنيوي؛ إذ تحول المجتمع الإسرائيلي إلى جزر متصارعة بين معسكرات علمانية وأخرى قومية متطرفة، غدى فيها الكيان مخطوف لصالح بقاء شخصي.
أما على صعيد بنيامين نتنياهو، فقد انحدرت مكانته السياسية من “الزعيم الأبدي الذي لا يُقهر” إلى “الأسير السياسي” لسلطة هشة يخشى فيها سقوط الحصانة القضائية أكثر مما يخشى سقوط الدولة.
إنه اليوم محاصر بين مطرقة اتهامات الفساد، وسندان إخفاقات إستراتيجية كبرى عصفت بهيبة الكيان وردعِه ، صحيح أنه يبرع دائماً في إطالة أمد الأزمات واقتناص طوق النجاة في اللحظات الأخيرة، لكنه بات يقود الكيان الإسرائيلي نحو مأزق تاريخي غير مسبوق:
مأزق يكون فيه ثمن بقائه السياسي هو تقويض المستقبل السياسي للكيان بأسره.
thumb_upأعجبنيthumb_downلم يعجبني
removeمواضيع مماثلة
بالأرقام… مقارنة بين الأساطيل البحرية الروسية والأمريكية والصينية في عام 2025 .
خدعة ‘الفيتو’ الأمريكي: هل مسرحية التهدئة بين ترامب ونتنياهو مجرد ستار دخاني لمباغتة إيران بفجر كابوس نووي؟
لقد خاطر ترامب ونتنياهو، والآن يجب عليهما إتمام المهمة.
الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود إيلي كوهين يتقدم في الصدارة بينما يواجه العديد من الوزراء خطر خسارة مقاعدهم في الكنيست.
لبنان يعرب عن قلقه بعد اجتماع ترامب ونتنياهو، ويخشى تصعيداً من جانب إسرائيل.












Discussion about this post