إضاءات وأنوار من خطبة الجمعة للعلامة المفكر الشيخ علي الخطيب
خطبة الجمعة – 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026
للعلامة المفكر الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان
استهلّ العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب خطبته باستحضار قول الله تعالى في سورة الأحزاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
سورة الأحزاب، الآيات 41–44.
ومن هذه المقدمة القرآنية انطلق الشيخ الخطيب في تناول مفهوم إيماني وفكري عميق، يتمثل في الحضور الإلهي الدائم في حياة الإنسان، مؤكداً أن ذكر الله واستحضار وجوده لا ينبغي أن يقتصرا على أوقات العبادة والشعائر، بل يجب أن يمتدا إلى عقل الإنسان وقلبه ووجدانه وحواسه وأقواله وأعماله ومواقفه، وفي مختلف مجالات الحياة.
إنها رؤية تجعل الإيمان نهجاً متكاملاً للحياة، وتربط العبادة بالمسؤولية الأخلاقية والإنسانية والوطنية، فلا يبقى الدين محصوراً في المظاهر والشعائر، بل يتحول إلى سلوك وممارسة وموقف.
أولاً:
الحضور الإلهي في كل تفاصيل الحياة.
الحضور الإلهي ليس مجرد ذكر باللسان أو حالة وجدانية عابرة، بل هو حضور شامل في وعي الإنسان وتفكيره وسلوكه، يوجّه إرادته نحو الخير والحق والصلاح.
إن استحضار الله في العقل والقلب والضمير يجعل الإنسان أكثر وعياً بمسؤوليته تجاه نفسه والآخرين، وأكثر قدرة على التمييز بين طريق الخير وطريق الشر.
وفي المقابل، فإن حضور الشيطان يرتبط بالغرائز المنفلتة وطرق الشر والضلال، عندما ينفصل الإنسان عن الضوابط الأخلاقية والقيم التي تحفظ إنسانيته.
ومن هنا، فإن حضور الله في حياة الإنسان هو حضور للحق والضمير والمسؤولية، وهو ما ينبغي أن ينعكس على سلوكه وعلاقته بالناس والمجتمع والوطن.
ثانياً:
الدين والحياة… هل يمكن فصل الإنسان عن القيم الإلهية؟
توقف الشيخ الخطيب عند بعض الاتجاهات الفلسفية الغربية التي دعت إلى إخراج الدين من السلوك الإنساني ومجالات الحياة العامة، مشيراً إلى أن إبعاد الدين عن حياة الإنسان، إذا أدى إلى إقصاء الضمير الأخلاقي والقيم الروحية والإنسانية، لا يخدم مصلحة البشرية ولا يساهم في بناء الحياة وجمالها.
فالحياة لا تُبنى بالتقدم المادي وحده، ولا يمكن أن تستقيم إذا انفصل العقل عن الضمير، والمعرفة عن المسؤولية، والحرية عن القيم الأخلاقية.
إن حضور الله في حياة الإنسان يعني حضور معاني الحق والعدل والرحمة والأمانة والاستقامة في مختلف شؤون الحياة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:
___ لماذا دعانا الله إلى ذكره واستحضار حضوره بصورة دائمة في حياتنا؟
والجواب في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
فالذكر ليس كلمات تُقال فحسب، بل هو وعي دائم بالله، واستحضار للمسؤولية، والتزام بالحق والخير والصلاح.
ثالثاً:
العبادة معرفة ومحبة وليست خوفاً أو طمعاً.
واستحضر الشيخ الخطيب المعنى العميق المنسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:
«إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».
وهو معنى يعبّر عن مرتبة متقدمة من المعرفة الإيمانية العليا والتامة ، حيث تنطلق العبادة من المحبة والإدراك العميق لعظمة الله، وليس من الخوف أو انتظار المقابل.
فالإنسان الذي يعرف الله معرفة حقيقية لا يجعل العبادة مجرد وسيلة للحصول على منفعة أو تجنب عقوبة، بل يجعلها تعبيراً عن الإيمان والمحبة والوفاء.
وفي هذا السياق، حضرت مكانة الإمام علي عليه السلام في المعرفة الإلهية، كما حضرت الدلالات الروحية والمعنوية لحديث الكساء ومكانة أهل البيت عليهم السلام، بما تحمله من معانٍ إيمانية عميقة.
رابعاً:
العبادة ليست الصلاة والصوم والحج وحدها…
[خدمة الناس عبادة]
من أبرز المعاني التي حملتها الخطبة توسيع مفهوم العبادة، وعدم حصرها في الشعائر والفرائض الدينية وحدها.
فالصلاة والصوم والحج وسائر العبادات المعروفة تشكل ركناً أساسياً في علاقة الإنسان بربه، لكن العبادة تمتد أيضاً إلى كل عمل صالح يؤديه الإنسان وهو يستحضر الله في نيته وضميره وسلوكه.
إن مساعدة المحتاج، وقضاء حوائج الناس، والوقوف إلى جانب المتألمين، ورعاية الضعفاء، والدفاع عن المظلوم، وصيانة كرامة الإنسان وحقوقه، كلها أعمال تحمل معنى العبادة عندما تنطلق من الإيمان والإخلاص والنية الصالحة.
وكذلك فإن الدفاع عن الوطن وحماية كرامته وشرفه، والقيام بالمسؤولية تجاه المجتمع، والوقوف في وجه الظلم والاعتداء، هي مواقف تتصل بالمسؤولية الإيمانية والأخلاقية وعبادة الله سبحانه وتعالى .
وهنا تتجلى إحدى أهم رسائل الخطبة:
لا تنفصل العبادة عن الإنسان، ولا يكتمل الإيمان إذا لم يتحول إلى عمل صالح وخدمة للناس وصون لكرامتهم.
خامساً:
التقوى أساس المعرفة والسلوك
وأكد الشيخ الخطيب أهمية التقوى باعتبارها المعيار الذي ينبغي أن يحكم علاقة الإنسان بربه وبالآخرين، مستحضراً قوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فالتقوى ليست مظهراً دينياً أو كلمات تُقال، بل هي مسؤولية أخلاقية وعقلية وسلوكية، تجعل الإنسان ملتزماً بالحق والعدل، بعيداً عن المصالح الشخصية والمجاملات التي تتعارض مع ضميره وقناعاته.
ومن هنا جاء التأكيد على أن العالم ينبغي أن يكون تقياً، وألا يجعل إرضاء بعض الناس مقدماً على رضا الله، أو يتخلى عن الحق إرضاءً لأصحاب المصالح والنفوذ.
فالمعرفة من دون تقوى قد تتحول إلى أداة لخدمة المصالح، أما المعرفة المرتبطة بالتقوى فتتحول إلى مسؤولية في خدمة الحق والإنسان والمجتمع.
سادساً:
الإيمان يمنح الإنسان القوة لمواجهة الصعوبات
ومن المعاني المهمة في الخطبة التأكيد على أن الله يحب المؤمن القوي.
فالإيمان ليس مصدر ضعف أو انسحاب من الحياة، بل هو مصدر قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على مواجهة الصعوبات، وتحمل المسؤوليات، والثبات على الحق، وعدم الخضوع للضغوط عندما تتعارض مع القيم والمبادئ.
إن الحضور الإلهي في الذهن و القلب والعقل والسلوك يمنح الإنسان قوة معنوية وأخلاقية، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة الظلم والانحراف والفساد، وأكثر استعداداً للدفاع عن المظلوم وخدمة المجتمع.
فالقوة الحقيقية ليست في امتلاك السلطة أو المال أو النفوذ وحدها، بل في امتلاك الضمير الحي والإرادة الصلبة والقدرة على التمسك بالحق.
سابعاً:
الحضور الإلهي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
لم يحصر الشيخ الخطيب الحضور الإلهي في المجال الفردي أو الروحي، بل امتد به إلى مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وهذا يعني أن الإيمان ينبغي أن يكون حاضراً في إدارة شؤون المجتمع، وفي التعامل مع مصالح الناس وحقوقهم، وفي ممارسة المسؤوليات العامة، وفي اتخاذ القرارات التي تمس حياة الإنسان ومستقبله.
فالأمانة في العمل عبادة،
والعدل في المسؤولية عبادة،
وحماية حقوق الناس عبادة،
ومكافحة الظلم والفساد مسؤولية أخلاقية وإيمانية وعبادة .
ولا يمكن الحديث عن حضور الله في حياة الإنسان إذا كان هذا الحضور غائباً عن ممارساته اليومية، أو إذا انفصلت الشعارات الدينية عن السلوك العملي.
إن الحضور الإلهي الحقيقي يظهر عندما يصبح الإنسان أكثر رحمة وعدلاً وصدقاً وأمانة، وعندما تتحول القيم الإيمانية إلى ممارسات تحمي الإنسان وتصون كرامته وتخدم المجتمع.
ثامناً:
من الحضور الإلهي إلى المسؤولية الوطنية…
الأرض ستتحرر والأهالي سيعودون
في امتداد واضح لمفهوم الحضور الإلهي في مختلف مجالات الحياة، انتقل العلامة الشيخ علي الخطيب إلى الشأن الوطني اللبناني، متناولاً مسؤولية السلطة اللبنانية تجاه التطورات السياسية والوطنية، وما يعانيه اللبنانيون من استمرار الاحتلال والاعتداءات والتهجير.
ودعا السلطة اللبنانية إلى مراجعة مواقفها، وقراءة التطورات بصورة جيدة، والاستفادة من دروس الماضي وأحداثه، وتصحيح خياراتها في ضوء ما لم تحققه الرهانات والمساعي السابقة من نتائج للمطالب اللبنانية.
وتناول في هذا السياق اتفاق الإطار، معتبراً أن الرهان على المفاوضات لم يحقق النتائج المطلوبة، في ظل رفض إسرائيل تنفيذ المطالب اللبنانية، ومشدداً على ضرورة إدراك أن الخضوع للإملاءات الأميركية لن يؤدي إلى تحقيق المصالح الوطنية اللبنانية.
كما استحضر تجربة اتفاق 17 أيار وكيف أُلغي، داعياً أركان السلطة إلى قراءة التاريخ واستخلاص العبر، وعدم تجاهل التحولات القائمة والدروس التي تقدمها التجارب السابقة.
وتوقف عند مسألة التضامن الداخلي، مشيراً إلى أن وحدة الموقف والتماسك الوطني يحولان دون قدرة الآخرين على التأثير في لبنان وفرض إراداتهم عليه.
وفي هذا السياق، طرح تساؤلات حول ما تحقق لمصلحة لبنان، وتناول مسألة العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، منتقداً ما اعتبره تأثراً بالصوت السياسي والإعلامي وتقديم المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.
وفي قراءته للتطورات الإقليمية والدولية، أشار إلى أن القوة الأميركية ليست قوة دائمة، وأن الحق هو الذي ينتصر في نهاية المطاف.
وكانت رسالته الوطنية الأبرز تأكيده أن
【الانتصار آتٍ، وأن الأرض ستتحرر، وأن الأهالي سيعودون إلى قراهم وبلداتهم، وستُعمّر ديارهم، وسيخرج العدو خاسراً.】
وربط الشيخ الخطيب هذا الموقف بصمود اللبنانيين وتضحيات الشهداء، مشيداً بالشعب الذي يتحمل المعاناة والآلام، ومؤكداً أن
【 أهلنا هم عزتنا ومجدنا وشرفنا ومصدر فخرنا.】
إن هذا المحور يضع قضية الأرض والإنسان والعودة والإعمار في قلب المسؤولية الوطنية والأخلاقية، ويؤكد أن الإيمان لا ينفصل عن الدفاع عن الوطن وكرامة أبنائه وحقهم في العيش الآمن على أرضهم.
تاسعاً:
وحدة الموقف والتضامن الوطني…
حماية الأرض تبدأ بحماية الإنسان
من المعاني التي تستحق التوقف عندها في الخطبة الربط بين القوة الإيمانية والقوة الوطنية.
فالحضور الإلهي الذي يمنح الإنسان الثبات والشجاعة في مواجهة الظلم، ينبغي أن ينعكس أيضاً على الجماعة الوطنية، من خلال التضامن والتكافل وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية.
إن المجتمع المتماسك، الذي يحفظ كرامة أبنائه ويقف إلى جانب المتضررين والمهجرين، يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والضغوط.
كما أن حماية الأرض لا تكتمل من دون حماية الإنسان الذي يعيش عليها، ولا تتحقق العودة بمجرد إعلان المواقف، بل تحتاج إلى صون الحقوق وإعادة الإعمار وتأمين شروط الحياة الكريمة والاستقرار.
ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين الإيمان والعمل، وبين الثبات على المبادئ وتحمل المسؤولية الوطنية، وبين الدفاع عن الأرض والاهتمام بأهلها واحتياجاتهم.
خلاصة الإضاءات: من ذكر الله إلى خدمة الإنسان ونصرة الوطن
إن الرسالة المحورية التي يمكن استخلاصها من خطبة العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب هي أن الحضور الإلهي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في المساجد وأوقات الصلاة والشعائر، بل يجب أن يكون حاضراً في ضمير الإنسان وعقله وقلبه وسلوكه، وفي كل موقع يتحمل فيه مسؤولية تجاه الآخرين.
فالعبادة ليست مجرد أداء للفرائض، وإنما هي أيضاً عمل صالح، وخدمة للناس، وقضاء لحوائجهم، ودفاع عن المظلوم، وصيانة للوطن والكرامة والحقوق.
كما أن المسؤولية الإيمانية لا تنفصل عن المسؤولية الوطنية، ولا يمكن أن يكون الإنسان حاضراً مع الله في عبادته، ثم يغيب عن قضايا وطنه وحقوق شعبه ومعاناة أهله.
إن الإيمان الذي لا ينعكس على سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين، ولا يتحول إلى عدل ورحمة وأمانة ومسؤولية، يفقد جانباً أساسياً من غايته الإنسانية.
فالله لا ينبغي أن يكون حاضراً في كلماتنا وصلواتنا وحدها، بل في قراراتنا وأعمالنا ومواقفنا، وفي كل ما نقوم به من أجل الخير والحق والعدل وصون كرامة الإنسان والدفاع عن الوطن والأرض.
ومن هنا يصبح الحضور الإلهي نهجاً متكاملاً للحياة، وتصبح العبادة مشروعاً إنسانياً وأخلاقياً ووطنياً يتجاوز حدود الفرد إلى المجتمع والوطن، ويجعل من الإيمان قوة لبناء الحياة، ونصرة المظلوم، وحماية الحقوق، واستعادة الأرض، وعودة أهلها إلى ديارهم.
فالإيمان حضور، والعبادة مسؤولية، وخدمة الإنسان طريق إلى الله، والدفاع عن الحق والكرامة والوطن من أسمى صور الالتزام الأخلاقي والإنساني.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني













Discussion about this post