المؤتمر الدولي الثالث والعشرون:
“الشخصية العربية بين السواء والاضطراب في عصر تطبيقات الذكاء الاصطناعي وانعكاساتها على الأسرة والتعليم والاقتصاد”
تحت شعار: “هندسة الصمود المجتمعي وإدارة التحولات في زمن الأزمات والكوارث والحروب”
ورقة عمل بحثية مقدمة للمؤتمر تحت عنوان:
أزمة الشخصية العربية بين مطرقة التحولات الرقمية وسندان الإقصاء الطبقي وخديعة السلطة والخطاب الديني: نحو استراتيجية وطنية لتمكين الأسرة والمجتمع
إعداد: الكاتب والباحث في الشأن السياسي والاجتماعي
الشيخ عدنان صكر الخليفة
(رئيس اتحاد القبائل العراقية)
المقدمة والفلسفة التأسيسية للبحث
أ/ تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الحديث عن “الشخصية العربية بين السواء والاضطراب” في عصر الذكاء الاصطناعي، أو محاولة “هندسة الصمود المجتمعي”، لا يمكن أن يؤتي ثماره إذا ظل حبيس التنظير الفوقي أو تحميل الأسرة وحدها أعباء التحولات الرقمية والأزمات المركبة.
ب/ تفكيك وهم “المسؤولية الفردية”؛ فالأسرة العربية—بين رب الأسرة وربتها—تستنزف طاقتها اليومية في معركة تأمين الحد الأدنى من البقاء المعيشي (كالغذاء والكهرباء والماء)، مما يجعل المطالبة بالتحصين التربوي والنفسي والرقمي ترفاً لا يقدر عليه من يستنزف وعيه وجهده في تأمين قوت اليوم.
ج/ الفلسفة المنهجية لتسليط الضوء على الطبقتين الفقيرة والمعدومة؛ إن الاهتمام المطلق بدراسة هذين القطاعين يعود إلى طبيعة تعاطي الطبقات المختلفة مع أزمات العصر؛ فالطبقات القادرة (كالطبقة الوسطى العليا، والأرستقراطية، والرأسمالية) تتوفر لديها كافة إمكانيات البقاء والبدائل المادية، وإن وقعت في إحدى ثغرات العصر أو اضطراباته فإنها تفعل ذلك بمحض إرادتها وبحبوحة خياراتها، لتملك دائماً أدوات الهروب أو التعافي. وفي المقابل، فإن الطبقتين المحرومة والفقيرة تُساق “سوقاً” وبصورة قسرية نحو هذه الفراغات والمهالك، ليُدفع أبناؤها وأفرادها نحو أتون الاغتراب والانحراف والتنمر دون إرادة أو وعي مسبق، مما يجعل إنصافهم هو المعيار الحقيقي لأي بحث جاد.
د/ أزمة القدوة وكذب السلطة السياسية؛ إن الغالبية من القيادات السياسية ورؤوس السلطة في دولنا أصلت حالة من عدم الاستقرار وازدواجية السلوك، حيث تحول “الكذب التنفيذي” والشعارات الكاذبة إلى سياق ثابت يمتد من أعلى الهرم القيادي إلى أدنى مستويات إدارة الدولة. وكما يُقال في المأثور الشعبي: “إذا كان رب البيت بالدف ناقراً… فشيمة أهل البيت الرقص والطرب”؛ فإن انعكاس سلوك “رب الأسرة الكبير” (السلطة الحاكمة) المتمثل في التسويف والمخاتلة، ولد انعكاساً متوازياً ومتكاملاً داخل البناء الأسري والمجتمعي، وأفقَد المواطن الثقة المباشرة بأي قرار أو شعار تطلقه الدولة، ليقينه الشديد بأنها شعارات استهلاكية موجهة للخارج أو للاستهلاك الإعلامي والسياسي، دون أن تلامس واقع حياته اليومية.
هـ/ أزمة المنظومة الدينية: مفارقة “رسالة الإمبراطوريات” في مواجهة “الرسالة المحمدية الحقيقية”؛ يكمن أحد أعمق مسببات انهيار الشخصية المجتمعية والأسرية في انحراف الغالبية من المؤسسات الدينية عن جوهرها الأصيل؛ إذ لم يعد اهتمامها منصرفاً إلى الهداية وبناء الإنسان وفق الرسالات الإلهية التي بُعثت لتكريم الإنسان ورفع مستواه الثقافي والتعليمي وإدارة الحياة بمدلولاتها الشاملة، بل تورطت في تمجيد تاريخ الإمبراطوريات والممالك التي أُقيمت باسم الدين وما رافقها من صراعات واقتتال ونشر للسلطة بالقوة. لقد جرى إبدال عقلية “الرسالة الإنسانية الحقيقية” بعقلية “الحاكم المتسلط” على الشعوب، واختزل الدين في “عامياته” ومظاهره الشكلية، متجاوزين جوهره الأسمى القائم على أن “الدين المعاملة” كمنهج عملي لتنظيم الحياة الاجتماعية والإنسانية وتوجيه الإنسان في أصول التعامل اليومي الذي يمثل الركن الأساسي في التقرب إلى إرادة الخالق وسر الوجود. ومن هنا، عمدت السلطة الحاكمة إلى إيجاد وتوظيف هذه المنظومة الدينية رسمياً ومجتمعياً للحفاظ على وضع الحاكم المتسلط وخدمة مصالحه، لا لتوجيه المواطن نحو قيم الحياة الحقة، مما جعل النسبة الأغلب من المؤسسات الدينية شريكاً أساسياً في كبت الشعوب وتدجينها.
و/ ترسيخ العقائد المغالطة وتزييف التاريخ لخدمة “الملك العقيم”؛ لم تكتفِ المنظومات الدينية المرتبطة بالإمبراطوريات والممالك بالتحالف مع السلطة الاستبدادية فحسب، بل عمدت غالبيتها إلى ترسيخ عقائد مغالطة للتاريخ الحقيقي، واختلاق وتضخيم التناقضات وقيم العداء الوهمية التي لا أصل لها في جوهر الإسلام أو سائر الأديان السماوية التي ترتكز أساساً على توحيد الخالق وكرامة الخليقة. لقد تم تكريس ثقافة الاقتتال والعداء الموروثة من صراعات العروش لخدمة وترسيخ بقاء “الملك العقيم”، متجاوزين روح الرسالات الحقيقية؛ وهذا الانحراف العقائدي والتاريخي يمثل ركناً أساسياً من أركان هدم المجتمع الإسلامي والديني بصورة عامة، وعاملاً جوهرياً في تفكيك اللحمة الإنسانية وتجهيل العقول.
ز/ انحراف الغالبية من منظمات المجتمع المدني وتبعية النخبة؛ لقد تخلت النسبة الأغلب من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان عن دورها الأساسي الذي وُجدت من أجله، والمتمثل في التركيز على الطبقات المحرومة والمعدومة التي تخلت عنها الدولة وتركتها في العراء، لتنصرف نحو حماية ومجاملة الطبقات الوسطى والراقية. ولم يعد همُّ الغالبية الساحقة من تلك المنظمات سوى التسويف الإعلامي، وتكريس الواجهات الترويجية، وكسب رضا الطبقات العليا، متغافلة تماماً عن واجبها التاريخي والأخلاقي في إيصال أصوات الطبقات الفقيرة والمهمشة إلى المؤسسات الرسمية وقيادتها نحو النهوض الحقيقي.
ح/ الواقع الطبقي والهندسة الهيكلية والتجربة العراقية أنموذجاً؛ تبرز تجربة العراق كدليل ميداني حسي على هذا الانفصام البنيوي، حيث تُرفع الشعارات البراقة مجاناً عن “مجانية التعليم والصحة، والحركة التنموية، وجذب الاستثمارات”، بينما الواقع المادي يشير إلى هندسة استثمارية موجهة حصراً لخدمة الطبقة السياسية العليا لتكديس الثروات، في مقابل استثمار صفر في المواطن العراقي الفقير والمحروم، وتركه يتردى في مستويات الحضيض المعيشي. فالأمراض النفسية، والعزلة، والاكتئاب، وتآكل الروابط الأسرية، والانحرافات، ليست سوى أعراض حتمية لبيئة اجتماعية مسحوقة بفعل سياسات الإقصاء الطبقي وتخلي الدول عن أدوارها الرعائية، حيث تُترك الطبقات الفقيرة والمعدومة رهائن للعوز، بينما تُغيب حقائقهم وتُستبدل بواجهات طبقية أرستقراطية طفيلية لا تمثل سوى شريحة ضيقة ومزيفة لواقع المجتمعات.
المسار الأول: الأبعاد النفسية، اضطرابات الشخصية، والأمن الأسري والمجتمعي
أ/ التنمر الإلكتروني والاضطرابات السلوكية؛ إن تفشي التنمر الرقمي واضطرابات الشخصية (الحدية، التجنبية، السادية) بين الشباب والأطفال ليس انحرافاً معزولاً، بل هو انعكاس لغياب المظلة الأمنية والنفسية الوقائية وتفكك القدوة المؤسسية والروحية، لاسيما بين الفئات المحرومة التي تفتقر لأدوات الحماية والوعي.
ب/ ظواهر الاكتئاب والعزلة وفقدان المتابعة (FOMO)؛ إن تنامي العزلة والاكتئاب وفوبيا تفوت الأحداث يعبر عن حالة اغتراب وطني واجتماعي يعيشها الفرد المقهور مادياً ونفسياً جراء العجز المعيشي وغياب الصدق الحكومي والديني.
ج/ التوجهات نحو المرضى النفسيين في زمن النزاعات؛ إن وصمة المرض النفسي تتفاقم في ظل غياب الدعم الحكومي وتراجع الدور الإرشادي الحقيقي للمؤسسات، مما يستدعي إحالة الرعاية النفسية إلى قطاع الصحة العامة والمجاني بدلاً من ترك الأسر المنهكة تواجه صدماتها وحدها.
د/ أدوات التمكين المطلوبة؛ إنشاء شبكات دعم نفسي واجتماعي حكومية مجانية، وتشريع قوانين صارمة للأمن السيبراني، وتوفير بيئة أسرية ومدرسية آمنة تمنح الطبقات المحرومة شعوراً حقيقياً بالأمان والاستقرار.
المسار الثاني: الأبعاد الاقتصادية، أزمات التعافي، ومخاطر الهجرة والنزوح
أ/ تآكل القدرة المعيشية للأسرة؛ إن غلاء الأسعار المتصاعد وانهيار قيمة العملات وتضخم أعباء الخدمات الأساسية يثقل كاهل الطبقات الفقيرة والمعدومة قبل غيرها، ويدفع العائل إلى الاختيار القسري بين تأمين القوت اليومي أو الاستثمار في تعليم الأبناء وصحتهم.
ب/ القلق الوظيفي والبطالة؛ إن غياب العدالة في توزيع الثروات الوطنية، وحصر الاستثمار في مصالح الطبقة الحاكمة، وغياب فرص العمل الحقيقية يغذي القلق الوظيفي لدى شباب الطبقات المحرومة ويدفعهم نحو خيارات الهجرة والنزوح القسري.
ج/ أدوات التمكين المطلوبة؛ تبني سياسات حماية اجتماعية حقيقية، توجيه العوائد الوطنية لدعم الطبقات الفقيرة والمعدومة حصراً، وربط مهارات الشباب الرقمية بسوق عمل عادل ومحمي يضمن الاستقرار المعيشي والنفسي.
المسار الثالث: التعليم، التربية، والتحول الرقمي المتوازن
أ/ أزمة التعليم والبيئة المدرسية؛ إن إلقاء عبء تعليم الأبناء وحمايتهم رقمياً على الأسرة المعدومة والفقيرة في ظل كذب الشعارات الرسمية عن مجانية التعليم وتراجع جودة المدارس وغلاء تكاليف التعليم الموازي يشكل إخفاقاً مؤسسياً كبيراً يدفع أطفال الطبقات الضعيفة نحو التسرب.
ب/ رعاية الأبناء ذوي الإعاقة؛ إن غرس القيم والأخلاق لدى ذوي الإعاقة من أبناء الطبقات الفقيرة يحتاج إلى بنية تحتية ومراكز تأهيل حكومية مجانية ترفع العبء اللوجستي والمادي الباهظ عن كاهل الأسر المنهكة التي لا تملك بدائل علاجية.
ج/ أدوات التمكين المطلوبة؛ إصلاح البيئة التعليمية العامة، توفير الأخصائيين النفسيين والتربويين في المدارس الشعبية، وضمان عدالة التحول الرقمي التعليمي دون تهميش الفئات الفقيرة والمحرومة.
المسار الرابع: الأمن الرقمي، حماية الهوية، ومعالجة فجوة الأجيال
أ/ سطوة الذكاء الافتراضي وإدمان الإنترنت؛ إن الهيمنة المتسارعة للتقنية الحديثة والألعاب الإلكترونية تساهم في تعميق فجوة الأجيال بين الآباء والأبناء وتهديد منظومة القيم الموروثة في ظل انشغال الأسر المعدومة بالبحث المضني عن البقاء دون وعي تقني واقٍ.
ب/ أدوات التمكين المطلوبة؛ إطلاق استراتيجيات وطنية شاملة للأمن الرقمي، توفير برامج محو أمية رقمية مجانية للآباء والأمهات في الأحياء المحرومة لتمكينهم من فهم لغة العصر الافتراضي، وإلزام الشركات التقنية بتوفير أدوات حماية أسرية آمنة ومجانية.
المسار الخامس: الإعلام، صناعة الوعي، ودور منظمات المجتمع المدني
أ/ أزمة الخطاب الإعلامي والديني في زمن الأزمات؛ إن الخطاب الإعلامي السطحي والشعارات الكاذبة التي تطلقها السلطة، بالتكامل مع تراجع الخطاب الديني الرشيد وانكفائه عن جوهر “المعاملة” وترسيخه للعقائد المغالطة، تتجاهل الحقائق الميدانية للطبقات الفقيرة والمعدومة وتغرق في التجهيل، مما يعطل قدرة المجتمع على الصمود ويزيد من فجوة الثقة بين المواطن والدولة.
ب/ انحراف النسبة الأغلب من منظمات المجتمع المدني عن رسالتها الجوهرية؛ إن تحول الغالبية من منظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان إلى واجهات تسويقية إعلامية تبحث عن استرضاء الطبقات العليا والراقية، متخلية عن دورها الأصيل في رعاية المجتمعات المهمشة والفقيرة التي هجرتها الدولة، يمثل خللاً بنيويًا خطيراً يعطل مسارات التنمية والعدالة الاجتماعية.
ج/ أدوات التمكين المطلوبة والتوصيات الفعلية للمنظمات؛ إلزام النسبة الأغلب من منظمات المجتمع المدني بالعودة إلى مسارها الميداني الحقيقي عبر استهداف الطبقات الفقيرة والمعدومة حصراً، وتأسيس قنوات تواصل مؤسسية تحمل هموم ومطالب هذه الطبقات وتوصلها بأمانة إلى المؤسسات الرسمية، وتحرير العمل المدني من أسر التسويق الإعلامي والمصالح النخبوية ليصبح أداة حقيقية للنهوض المجتمعي.
الخاتمة والتوصيات الاستراتيجية
تخلص هذه الورقة إلى أن أي سعي جاد لـ “هندسة الصمود المجتمعي وإدارة التحولات” ضمن أهداف هذا المؤتمر، لن يتحقق بالخطابات الشكلية أو الشعارات الزائفة، ولا بتحميل الأسرة المعدومة أعباء فوق طاقتها، بل يشترط ابتداءً مكاشفة الذات السياسية والمؤسسية وإعادة هندسة الالتزامات الدستورية والرعائية للدولة ومؤسساتها تجاه مواطنيها المحرومين. إن البداية الحقيقية لترميم الشخصية العربية واستعادتها لسوائها النفسي والمجتمعي تبدأ من إنهاء كذب السلطة ومخاتلتها، وفك الارتباط بين الخطاب الديني وعقلية الإمبراطوريات والعقائد المغالطة لتكريس جوهر الدين الأصيل القائم على “المعاملة” وكرامة الإنسان، وتفعيل الدور الحقيقي للنسبة الأغلب من منظمات المجتمع المدني لخدمة الطبقات الفقيرة لا النخب المتمكنة، وتكريس العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات الوطنية لصالح الطبقات المعدومة التي تُساق قسراً نحو أتون الأزمات، ودعم الاقتصاد الأسري، واستعادة دور التعليم والصحة كحقوق أساسية وليست سلعاً باهظة أو شعارات إعلامية، لتمكين هذه الأسر من أداء دورها الطبيعي في بناء مجتمع معافى وقادر على المواجهة والتطور.
26 تشرين الاول 2026












Discussion about this post