لم تعد المسألة مجرد ضعف في الأداء أو سوء إدارة، ما نراه اليوم في بيروت هو مشهد ذل وطني كامل الأوصاف. سلطة تدّعي السيادة في الخطب والبيانات، وتمارس العبودية في القرار والممارسة.
هذه السلطة التي صدّعت رؤوسنا بشعار (بسط سلطة الدولة) تبيّن أنها لا تبسط سلطتها إلا على المقاومة التي حررت الأرض وحمت العرض وقدّمت آلاف الشهداء. أما أمام الأمريكي والإسرائيلي، فتتحول إلى موظف إستقبال ينفذ الأوامر بحذافيرها.
بأي منطق سيادي يتصل وزير خارجية أمريكا برئيس جمهورية لبنان ليتحدث عن شاحنة؟ شاحنة يُقال إنها محملة بمتفجرات لمواجهة العدو الإسرائيلي، العدو الذي يحتل أرضنا ويقصف قرانا يومياً.
أين هي السيادة عندما يصبح تسليح أبناء الجنوب لمواجهة إسرائيل ملفاً يُناقش مع واشنطن؟ هل رأيتم في تاريخ العالم دولة يُعاتب رئيسها من وزير خارجية دولة أخرى لأنه لم يصادر سلاحاً موجهاً ضد عدو يحتل بلاده؟ هذا لم يعد تدخلاً، هذه وصاية علنية، وهذه السلطة قبلت أن تكون مجرد مخفر متقدم للسفارة الأمريكية.
والمضحك المبكي أن نفس السلطة التي تريد نزع سلاح المقاومة بحجة (الشرعية) هي نفسها التي تترك العملاء الذين يتواصلون مع العدو الإسرائيلي يسرحون ويمرحون، ويأتي وزير عدلها، الحامي الرسمي للعملاء، ليطالب بتحويل ملف شاحنة المقاومة إلى المجلس العدلي! ملف مقاوم للعدو إلى المجلس العدلي، وملفات العمالة مع العدو إلى الأدراج! أي عدالة هذه؟
ولكي يكتمل مشهد الأنحطاط، سمحت هذه السلطة المعيبة بأن تتحول سفارة سورية الجولاني على أرض بيروت إلى وكر للمافيا والعصابات.
ما حصل أمس مع المواطن السوري كيالي ليس مجرد حادثة، بل هو عمل داعشي بامتياز. مجموعة مسلحة تختطف مواطناً سورياً من الشارع اللبناني بأسلوب المافيا، وتسوقه إلى داخل السفارة السورية، ومن ثم تهريبه إلى الداخل السوري ليسلم لنظام القتلة هناك.
أين وزارة الداخلية؟ أين الأجهزة الأمنية؟ أين وزارة الخارجية؟ هل أصبحت الأراضي اللبنانية مستباحة لميليشيات الجولاني لتخطف من تشاء؟
لو حصل هذا الفعل من أي سفارة في أي دولة بالعالم تحترم نفسها، لكان طرد القائم بالأعمال وإغلاق السفارة هو أقل رد. لكن في لبنانِ هذه السلطة، كل شيء مباح عندما يكون الضحية معارضاً للجولاني أو مؤيداً للمقاومة.
سفارة تتحول إلى مسلخ، وسلطة تتحول إلى شاهد زور.
هذه ليست سلطة سيادية. هذه سلطة وظيفتها تنفيذ الشروط الإسرائيلية بغطاء أمريكي، وقمع كل نفس مقاوم، والتغطية على عربدة السفارات المشبوهة على أرضنا.
سلطة تحاكم مَن يحمل متفجرة بوجه إسرائيل،
وتطارد مقاوم يحمل المتفجرات لوضعها للعدو.
وتطالب بطرد سفير إيران.
وتسمح لسفارة داعش ممارسة إرهابها على أرض لبنان.
سلطة تحمي مَن يتواصل مع إسرائيل، وتفتح الباب للخاطف الإرهابي القادم من سفارة الجولاني.
سلطة تتضامن مع السعودية التي تحاصر اليمن وتقتل شعبه منذ عشر سنوات وتدين الرد اليمني.
سلطة لا تتجرأ إدانة الأعتداء على إيران ،وترتمي بحضن الأعداء.
هذه السلطة أصبحت عبئاً على تاريخ لبنان المقاوم، على دماء الشهداء، على كل حبة تراب تحررت بدماء المقاومة وليس ببيانات السفارة الأمريكية.
هذه السلطة أصبح وجودها معيب، واستمرارها إهانة، ورحيلها لم يعد مطلباً سياسياً، بل ضرورة وطنية لإنقاذ ما تبقى من كرامة هذا البلد.
نضال عيسى













Discussion about this post