أشرف التهامي.
شهد المشهد الإقليمي السوري تحولات بالغة الخطورة مع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة الوطنية، واستغلال حالة الفراغ والأزمات الإقليمية لتسريع وتيرة قضم الأراضي وتثبيت وقائع ميدانية جديدة في العمق السوري.
إن هذه الممارسات لا تعكس مجرد خروقات أمنية عابرة، بل تترجم طموحات استراتيجية وهندسة استيطانية متكاملة تستهدف الجغرافيا السورية من حدود الجولان وصولاً إلى تخوم البادية والشرق.
وأمام هذا العدوان السافر، يبرز “دور المقاومة” كخيار إستراتيجي حاسم لردع الأطماع الصهيونية وإحباط مشاريعه التوسعية، وهو ما يستدعي التفافاً شعبياً ورسمياً جامعاً لدعمها وإسنادها في معركة الدفاع عن الأرض والسيادة.
ومن هذا المنطلق، يقدم هذا التقرير قراءة تحليلية دقيقة لأبعاد المخططات الإسرائيلية المتمثلة في مشروعي “سوفا 53” و”ممر داوود”، مستعرضاً ردود الفعل الرسمية والمقررات الواجب على المؤسسات الحكومية والمدنية والحقوقية، اتخاذها لكبح هذه المشاريع وصون التراب السوري إلى جانب تفعيل خيار المقاومة.
أولاً: تسارع قضم الأراضي السورية والعبث بالسيادة.
منذ أواخر عام 2024 وسقوط النظام السابق، كثفت قوات الاحتلال الإسرائيلي توغلاتها وعمليات قضم الأراضي في المنطقة الجنوبية (القنيطرة، درعا، وريف دمشق)، متجاوزة اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
وتشير التقديرات الحقوقية والميدانية إلى تنفيذ مئات التوغلات وتجريف مساحات واسعة تصل إلى مئات الكيلومترات المربعة، في محاولة لفرض حزام أمني وعازل يعيد رسم الحدود الجغرافية بالقوة العسكرية.
ثانياً: تفكيك المشاريع الاستيطانية التوسعية (“سوفا 53″ و”ممر داوود”) .
1-مشروع “سوفا 53” (العاصفة الكبرى):
· الطبيعة والامتداد: هو مشروع هندسي وعسكري ضخم تنفذه إسرائيل في ريف القنيطرة والمنطقة العازلة.
· الأعمال الميدانية: يتضمن شق طرق عسكرية استراتيجية بعرض يقارب ثمانية أمتار، وإنشاء شبكة واسعة من التحصينات، والخنادق، والسواتر الترابية، ونقاط التفتيش العسكرية (بحجم سرايا) المجهزة لتثبيت الوجود الدائم للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
2-مشروع “ممر داوود”:
· الأبعاد الإستراتيجية: يمثل “ممر داوود” حلماً استراتيجياً توسعياً يربط هضبة الجولان المحتلة بالجنوب السوري مروراً بدرعا والسويداء، وصولاً إلى منطقة التنف وشرق الفرات والحدود العراقية.
· الغاية التفتيتية: يهدف الممر إلى شق العمق الجغرافي السوري وإعادة تشكيل خريطة المنطقة عبر التواصل مع مكونات ومجتمعات محلية لإقامة مناطق نفوذ منزوعة السلاح أو معزولة، بما يخدم استراتيجية تفتيت الدول وتكريس الهيمنة الإسرائيلية طويلة الأمد ، أما فيما يتعلق بالحديث عن محاولات أو سيناريوهات تمس العاصمة دمشق، فتؤكد التقارير أن هذه التوسعات تهدف عسكرياً إلى خنق العمق الاستراتيجي السوري وجعل العاصمة تحت التهديد الدائم لتقويض أي محاولة لتعافي الدولة المركزية.
ثالثاً: موقف السلطة والجهات الرسمية في دمشق
تعاملت السلطات الرسمية في دمشق مع هذه التوغلات والمشاريع عبر مسارين رئيسيين:
· التمسك بالشرعية الدولية واتفاقية 1974: أعلنت دمشق مراراً تمسكها باتفاقية فصل القوات، مطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية الفوري إلى خطوط ما قبل التوغلات الأخيرة.
· الرفض القاطع للمشاريع الانفصالية: رفضت الحكومة بقطعية أي مشاريع مشبوهة تهدف لإنشاء ممرات أو مناطق عازلة (مثل الطروحات المتعلقة بمحافظة السويداء أو الجنوب)، معتبرة إياها خرقاً سافراً للسيادة ووحدة التراب السوري.
رابعاً: الواجبات الحكومية والمدنية والحقوقية التكملية
· المستوى الحكومي والرسمي: بناء جبهة إقليمية ودولية ضاغطة لتوثيق الانتهاكات ورفعها إلى المحافل الدولية ومجلس الأمن لإدانة التوسع الإسرائيلي.
· المستوى المدني والمجتمعي: تعزيز الوعي الوطني لدى الأهالي في المحافظات بخطورة المشاريع الرامية لسلخ الأرض وإسقاط أي كيانات محلية منفصلة تخدم أجندات الاحتلال.
· المستوى الحقوقي والقانوني: توثيق كافة أعمال التجريف، وشق الطرق العسكرية، وعمليات الاستيطان باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وإعداد ملفات متكاملة لملاحقة قادة الاحتلال قضائياً.
خامساً: دور المقاومة وضرورة الالتفاف الوطني الشامل لمواجهة المشروع الاستيطاني.
إلى جانب المسارات الدبلوماسية والرسمية، يبرز دور المقاومة بكافة أشكالها كركيزة أساسية لردع الأطماع الإسرائيلية، وهو ما يتطلب:
· التكامل بين الجهد الوطني والمقاوم: إدراك أن مواجهة المشروعات التوسعية (مثل سوفا 53 وممر داوود) تتجاوز الحدود التقليدية وتستوجب إسناد خيارات المقاومة الشعبية والميدانية باعتبارها رادعاً حقيقياً يرفع كلفة التوغل الإسرائيلي.
· الالتفاف الشعبي والمجتمعي: توحيد الصفوف وتوسيع دائرة الحاضنة الوطنية الجامعة في مختلف المحافظات السورية لدعم خيارات الصمود والمقاومة، وإفشال محاولات التفتيت الطائفي التي يحاول الاحتلال استغلالها.
· تضافر الجهود الفاعلة (الحكومية، المدنية، والحقوقية): توجيه الطاقات كافة لتوفير الغطاء السياسي والمجتمعي واللوجستي لحماية المناطق الحدودية، ورفض أي تفاهمات منقوصة تمس السيادة، لتشكل المقاومة برافعتها الشعبية الحصن المنيع في وجه مشروعات الضم والاستيطان.
تقرير استراتيجي – عبث الكيان الإسرائيلي بسيادة سوريا ومخططات التوسع الجغرافي. 50119
الخاتمة.
إن تمادي الكيان الإسرائيلي في مشاريعه التوسعية كـ “سوفا 53″ و”ممر داوود” واستهدافه المباشر لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، يشكل اختباراً حقيقياً لمستقبل المنطقة.
وإن التصدي لهذه الأطماع لا يقتصر على المواقف الدبلوماسية وحدها، بل يستدعي تكاملاً وطنياً شاملاً يرتكز على دور المقاومة والالتفاف الشعبي والمؤسسي، للدفاع عن التراب السوري وإسقاط محاولات تمزيق الجغرافيا، تأكيداً على أن سيادة سوريا ووحدة قرارها تظل خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه مهما بلغت التحديات.













Discussion about this post